Loading...

Wednesday, May 30, 2007

فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال - الكتاب الذي يظل حيا دفاعا عن الفلسفة

عبد المجيد الانتصار

أولا - توطئة:
… أن يتجه فيلسوف إلى أن يفصل القول في مسألة ما، فإن ذلك يدل على أنه يصدر عن إشكالية معينة، تدير فكره وتوجه خطابه. وأن ينعت هذا الفيلسوف عمله باسم "فصل المقال"، فإن في هذا النعت توتر فكري يحث صاحبه على إنجاز مشروع ما، وغالبا ما يتخذ هذا المشروع سمة تصحيح وضع معين، بنقده وتحويله وتغيير النظر إليه.

تلك هي حال فيلسوف قرطبة، أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد (520-595هـ)، في تفاعله مع الوضع الثقافي الاجتماعي الذي ميز المجتمع العربي الإسلامي، مشرقا ومغربا. فقد اتسم هذا الوضع، في جل مراحله التاريخية، بشن حملة عداء على التفكير العقلاني، الكلامي والفلسفي، الذي كان قد تبلور مع تأسيس "بيت الحكمة"، سنة 215هـ، في عهد الخليفة العباسي "المأمون"، ومع "الكندي"، الذي يرتبط بروز الفلسفة في الإسلام باسمه.

وإذا كان ذلك العداء للفكر العقلاني قد بدأ منظما وصريحا مع الانقلاب السني، الذي أعلنه الخليفة العباسي "المتوكل"، فإنه سيتطور نظريا مع فقهاء ومتكلمي المذهب السني الأشعري، إلى أن يبلغ ذروته مع "أبي حامد الغزالي" الذي سيصبح "حجة" في مسار القول بـ"تهافت الفلاسفة"، و"تكفير الاشتغال بالفلسفة"، وهو القول الذي سيمتد إلى الحقل الثقافي في المغرب والأندلس، وخصوصا على عهد المرابطين؛ مما سيجعل بروز الفلسفة في المجال الثقافي الاجتماعي الإسلامي، سواء هناك في المشرق أو في هذا "الصقع" الذي نحن فيه، بروزا دفاعيا، إذ وجد الفيلسوف في الإسلام نفسه منخرطا، ومنذ البدء في إشكال: "الدفاع عن مشروعية الفلسفة ووجودها، والعمل من أجل امتلاك هذه المشروعية في نظر الشرع، الذي شكل المرجعية الأساسية لاتجاه تكفير الفلسفة وتحريم الاشتغال بها".

… يجد الفيلسوف نفسه، إذن، في وضع وجودي قلق ومتوتر، فيتجه إلى بناء "مدينة فاضلة" كما فعل الفارابي، أو إلى البحث عن كيفية لتدبير نفسه "متوحدا" كما فعل ابن باجة، أو إلى سلوك طريق "التعبير الرمزي" كما فعل ابن طفيل، أو إلى إنجاز "مقال في المنهج" يفصل فيه فصلا حاسما في علاقته كفيلسوف، يمثل "الحكمة"، بوجود ثقافي ديني سائد يتأسس على "الشريعة"؛ وهذا ما فعله ابن رشد، حينما اتجه إلى "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال".

لقد سار ابن رشد في هذا الاتجاه المباشر والصريح بحكم الانفتاح الفكري الذي اتسم به عهد الموحدين، وخصوصا في زمن أبي يعقوب يوسف بن عبد المومن، حيث ستزدهر العلوم العقلية، كالطب والفلك والرياضيات… وسيلقى تعليم هذه العلوم ترحيبا، مما جعل من هذه الفترة لحظة تشجيع للعلم والعلماء، لحظة تحرر فكري. وكان ابن رشد مفكر هذه الفترة، وممن كان أبو يعقوب يوسف الموحدي يجمعهم في مجلسه. كما كانت لابن رشد مكانة خاصة ومهام خاصة لدى هذا الخليفة حينما قدمه له ابن طفيل.

لقد سمحت هذه الملامح التنويرية، على المستوى الواقعي، للفيلسوف بأن لا يظل حبيس الأسلوب الطوباوي (الفارابي)، أو الأسلوب الفرداني (ابن باجة)، أو الأسلوب الرمزي (ابن طفيل)؛ بل سمحت له بأن يفصل المقال في الإشكالية التي تواجهه (مسألة مشروعية الفلسفة)؛ وذلك بأسلوب منطقي برهاني وجدالي، يحاور خصومه مباشرة ويقرر مواقفه صراحة.

لنتوقف، إذن، عند هذا العمل الرشدي، ونتأمل كيف فصل الرجل "المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"

ثانيا - فصل المقال في مشروعية الفلسفة

1 - يصنف "فصل المقال" ضمن كتب ابن رشد الموضوعة، والتي تمثل ابن رشد الحقيقي، أي ضمن مجموعة :"الكشف عن مناهج الأدلة" و"تهافت التهافت" و"الكليات في الطب"..؛ وذلك تمييزا لها عن كتب الشروح والتلاخيص والجوامع والمختصرات. ويرجع تاريخ تصنيف "فصل المقال" إلى عام 575هـ، في "المرية AL MERIA"، وأما ناسخه فهو: "محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الملك بن خادر".

تذكر مجموعة من المراجع أن كتاب "فصل المقال" يوجد مخطوطا في "الاسكوريال"، وفي المكتبة الأهلية بمدريد. كما تذكر له طبعات كثيرة، منها: طبعة "ميللر" سنة 1859، وطبعة المكتبة العلمية (1895)، ومطبعة الآداب (1899)، والمطبعة الحميدية (1901)، والمطبعة الجمالية (1910)، ومطبعة الشرق الإسلامية، وكلها بالقاهرة.

وأما الترجمات فقد ظهرت له ترجمة "ميللر" إلى الألمانية، ونشرت في "ميونيخ" سنة 1877، وترجمة المستشرق "ليون غوتييه" إلى الفرنسية التي نشرت سنة 1905 في الجزائر، وأعيد طبعها عامي 1942 و 1948، وتضاف إلى ذلك ترجمة عبرية ترجع إلى العصر الوسيط.

وتتضمن كل هذه الطبعات، في آخر كتاب "فصل المقال" رسالة صغيرة تعرف بـ "الضميمة"، وهي توضيح لمسألة وردت في الكتاب ويتعلق الأمر بمسألة "العلم الإلهي".

2 - يتناول ابن رشد في "فصل المقال" مسألة أساسية، وهي التي يعبر عنها بالتساؤل الأول الذي يفتتح به خطابه، وهو: "هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به، إما على جهة الندب، وإما على جهة الوجوب؟".

انطلاقا من ذلك سيكون "فصل المقال" اشتغالا على إشكالية: "مشروعية العلوم العقلية: الفلسفة والمنطق" في الفضاء العربي الإسلامي. ويمتد هذا الاشتغال في مختلف مواضع الكتاب، وبواسطة طرح قضايا أخرى، مثل: "علوم غير المسلمين وحكمها"، و"المعقول والمنقول"، و"الظاهر والباطن"، والعامة والخاصة"، و "الغزالي وتكفيره للفلاسفة"، و "التأويل: معناه وشروطه"، و "البرهان والقياس"… إذ أن اهتمام ابن رشد بهذه القضايا اتجه دائما في المنحى العقلاني المشرع للفلسفة وعلومها. وهكذا، ومن خلال اشتغاله بهذه القضايا يطرح ابن رشد ما يلي:

أ - إن الاشتغال بالفلسفة وعلوم المنطق يقوم على دليل عقلي يوجبه، ويلزمنا به؛ وذلك أنه إذا كانت الفلسفة، بالتعريف، نظرا في الوجود ونظامه كدلالة على صانع الوجود (الله)، من جهة، وإذا كان الشرع يدعو إلى التفكير في الوجود كنظام دال على صانعه، من جهة ثانية؛ فإن ذلك يؤدي منطقيا إلى ضرورة القول بوجوب تعاطي الفلسفة والاشتغال بعلومها، فذلك مأمور به من طرف الشرع نفسه.

ب - إن ما يدعم هذا الدليل العقلي هو وجود الأمر الشرعي بالتفلسف صريحا في النص القرآني؛ وذلك من خلال الأمر باستخدام القياس العقلي، كما في القول: "فاعتبروا يا أولي الأبصار"، ومن خلال الحث على تأمل جميع الموجودات، كما في القول: "أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء". وتتعدد مثل هذه الأدلة القرآنية على وجوب التأمل العقلي، كما يقول ابن رشد.

ت - إن استخدام العقل، إذن، هو أمر يوجبه الشرع نفسه. وهو بذلك يأمرنا بممارسة المعرفة الحقة، وبسلوك المنهج اليقيني للمعرفة، والذي يتمثل في البرهان. ومن هنا يطرح فيلسوف قرطبة ضرورة دراسة الفلسفة والمنطق، فذلك هو السبيل إلى معرفة أنواع البراهين وشروطها، وكيفية استخدامها. وهكذا يكون ضروريا تعلم الفلسفة والمنطق، فهما مصدر اكتساب منهجية التفكير، إذ يسلحان العقل بأدواته.

ث - تستدعي هذه الضرورة، وجوبا، البداية بالبحث في القياس العقلي وأنواعه وشروطه، أو أخذ ذلك ممن سبق من الأمم، وخصوصا إذا كان متوفرا عندها. ويقتضي الموقف، هنا، التحرر من الانغلاق الفكري والمذهبي لكي نتفتح على القدماء، وهم مفكرو وفلاسفة الإغريق الذين فحصوا علم المنطق، حتى وإن اختلفت ملتهم عن ملتنا، مع اشتراط أن نقبل منهم ما وافق الحق، ونترك غير ذلك.

ح - لا ينبغي، إذن، منع الاشتغال بكتب الفلسفة والمنطق كما أنتجها الفلاسفة السابقون (اليونان، وأرسطو خاصة). وكل عمل من هذا القبيل، أي منع الفلسفة، هو "جهل" و"كفر"، لأنه منع من معرفة يقينية تدعو الشريعة إليها. وإذا كان البعض قد أساء فهم الفلسفة، وألحق بها ضررا، بعدم إدراكهم لحقيقتها ولحقيقة علاقة الشرع بها، كما وقع بالنسبة للقائلين بتحريم الفلسفة، وعلى رأسهم الغزالي، فإن ذلك ليس دافعا إلى القول بـ "تكفير الفلسفة"، وإلى منع القادرين على امتلاك المعرفة البرهانية من الاشتغال بالفلسفة.

ج - إن الضرر، إذن، ليس من جوهر الفلسفة، بل هو عرض لحقها من قبل الذين أساؤوا فهمها، وأساؤوا فهم علاقتها بالشرع. فالمعرفة البرهانية، أي الفلسفة والمنطق، لا تخالف الشريعة من حيث الجوهر: "الحق لا يضاد الحق". وكلما ظهر هناك خلاف بين ما نطق به الشرع وما أدى إليه البرهان العقلي وجب تأويل الشرع لتحقيق توافقهما. فكما أن للفقيه الحق في استنباط الأحكام من الشرع، فإن للفلاسفة وأهل المنطق الحق في تأويل ظاهر الشرع ببراهينهم العقلية، في إطار توافق المعقول والمنقول، ودون الخروج عن القول بأن " الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له".

خ - ينتهي القول بوجوب الفلسفة والمنطق إلى القول بضرورة التأويل، والتأويل عملية يبحث فيها العقل عن الدلالة المجازية للألفاظ، شرط أن لا يخل ذلك بقواعد اللغة العربية. ولا يملك صاحب القياس الفقهي وحده الحق في ذلك، بل إن صاحب البرهان والمنطق، أي الفيلسوف، يملك كذلك هذا الحق، بل هو أجدر بممارسته.

د - لا يصح القول، إذن، بأن القياس البرهاني العقلي بدعة. وليس جائزا القول بتحريم الاشتغال بالفلسفة وعلوم المنطق، بدعوى مخالفتها للشرع. إذ أن مثل هذا القول يسيء للنسقين معا: نسق الحكمة ونسق الشريعة، كما يسيء فهم العلاقة الحقيقية بينهما؛ فهما "المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة". وحفاظا على ذلك يلزم النظر إليهما في جوهرهما وأصلهما، أي في فلسفة أرسطو بالنسبة للحكمة، وفي القرآن بالنسبة للشريعة؛ وذلك رفعا لما لحقهما من تأويلات أقلقت إدراك حقيقتهما وحقيقة العلاقة بينهما.

ذ - لقد نتج سوء فهم الحكمة والشريعة والعلاقة بينهما عن التصريح بالتأويلات للجمهور، والحق أنه لا ينبغي مخاطبة الناس إلا بحسب مستوى إدراكهم، والذي يكون في مستوى الخطابة، أو يرتبط بمستوى التأويل الجدلي، أو يبلغ مستوى التأويل البرهاني اليقيني. ولا يمكن للجميع إدراك هذا التأويل الأخير القائم على القياس العقلي البرهاني، بل إن "الخاصة" وحدهم أقدر على ذلك، وهم أهل المنطق. ومن لم يحترم هذا الوعي المنهجي البيداغوجي سيدعو الناس إلى الكفر، وسيكون بدوره كافرا. ولذلك ينتقد ابن رشد تأويلات الفرق الكلامية والغزالي، ويجعل من مقاله تصحيحا للنظر، ويعتبره مقالا فاصلا لرفع البدع العارضة التي لحقت بالشريعة وبالحكمة، والتي لا تمثل جوهرهما.

ثالثا - "فصل المقال" (الكتاب الذي سيظل حيا)

بهذا المعنى، وبهذا الأسلوب في النظر والاستدلال، يصحح كتاب "فصل المقال" طريقة التفكير في "ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، وهو بذلك يثبت "مشروعية الفلسفة"، ويسوغ الاشتغال بالمنطق، انطلاقا من داخل الشرع نفسه، والذي كان الفقهاء والغزالي يكفرون الفلسفة باسمه. أي أن "فصل المقال" يسحب من الداعين إلى تكفير الفلسفة ومحاصرتها الأرضية الشرعية التي يؤسسون عليها القول بمنع الاشتغال بالفلسفة وعلومها، بل إنه يحول هذه الأرضية الشرعية إلى أساس لوجوب الفلسفة، وإلى مرجع للقول بالاشتغال بها ضرورة".

تأسيسا على ذلك يحتل "فصل المقال" مكانة هامة داخل الخطاب الفكري الذي اتجه إلى تجذير القول الفلسفي عندنا، فهو يجسد نموذجا ممتازا لتلك المقالات التي انتدبت نفسها للبحث عن مشروعية الاشتغال بالفلسفة والعلوم العقلية، في الحقل الثقافي العربي الإسلامي؛ وهو البحث الذي اتخذ صيغة عملية، أحيانا، عن طريق ممارسة الفلسفة بالتأليف في قضاياها، كما نجد عند "ابن رشد" نفسه في شروحه وتلاخيصه للكتب الفلسفية الأصلية، كتب أرسطو، وفي "التهافت"، مثلا… كما اتخذ البحث عن مشروعية الفلسفة، أحيانا أخرى، صورة نظرية ومنهجية، عن طريق الجدال حول مدى مشروعية الفلسفة في نظر الشرع، كما هو الحال مثلا في "فصل المقال" موضوع حديثنا.

وهكذا، فإذا كان تاريخ الثقافة الإسلامية حافلا بالرسائل والخطب والمصنفات التي تحرم الاشتغال بالعلوم العقلية، والفلسفة في مقدمتها، سواء صدر ذلك عن سلطان (المتوكل) أو فقيه (ابن الصلاح) أو متكلم يحسب على الفلسفة (الغزالي)…، فإن ذلك التاريخ يحتفظ أيضا بمقالات معارضة ومغايرة تشرع لوجود الفلسفة، وترسخ ممارستها، سواء هناك في المشرق مع الكندي (رسالة إلى المعتصم)، والفارابي (كتاب "الحروف" و"الملة")… أو هنا في الغرب الإسلامي مع ابن باجة (تدبير المتوحد)، و ابن طفيل (حي بن يقظان)، ثم ابن رشد (فصل المقال)… وبفعل هذه المغايرة العقلانية وجدت ممارسة الفلسفة في بلاد الإسلام، وإلى اليوم، النفس الذي يجعلها تحيا باستمرار، وهو نفس يحتاج إلى أن يتجدد كي تنعم الفلسفة بالحياة، وكي يظل كل قول لصالحها مصنفا ضمن الكتب الحية، كما هو الأمر بالنسبة لـ"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال".

http://www.science-islam.net/article.php3?id_article=805&lang=ar

1 comment:

  1. كلام جميل جدا وممتع لا يشعر القارىء بالملل ويغذي العقل بالفائدة التي يحتاجها كل انسان ...

    ReplyDelete